هو قال أن الماده مهمه جدا..و أنا قلت أن الروحانيات أهم و أهم..
"انت مالك مبهدله كدا..امشى طلعى بنطلونك دا و فانيله الكوره دى"..
سبقته إلى الشارع و وقفت تاكسى..
"و الله انت مجنونه..ماشين نلعب كوره نحن!!"
إبتسمت دون ما أنظر إليه..
ركبنا التاكسى و لسه بيبرطم مع روحه "فانيله كوره..و الله عال"..
من بضع أيام دخلنا فى نقاش عن الإشباع الروحى و الإشباع المادى و أيهما أهم..
هو قال أن الماده مهمه جدا ..و انا قلت أن الروحانيات أهم و أهم..
قال بثبت ليك..قلت بثبت ليك و لأهلك..(فهم من العائلات السودانيه المتجدعه فى الحياه)..
وصلنا المكان..عباره عن فيلا صغيره فى شارع مسدود نهايته..الفيلا طرازها قديم من أيام البشاوات و البكاوات..تحمل ملامح أيام عز مضت..محشوره بين بنايات عصريه مرسوم على وجوهها سماجه و إبتذال و غباء هذا العصر..وكأنها هى الدخيله عليهم و هم أصحاب الأرض و المكان..
متبقى من الزمن حوالى خمسة دقائق ..قال ليا "خمسة دقائق !!..يعنى عليك الله دقيقه واحده مش كانت تكفى تغيرى فيها فانيله الكوره دى.." ابتسمت دون ما أنظر إليه و تابعت المشى للوصول للقاعه ..كنت عارفه طريقى داخل الفيلا و كان هو مستعجب لمعرفتى بممرات الفيلا و قاعاتها و بسلامى لناس مختلفين عنى جدا فى طباعهم و معتقداتهم...
قاعه بسيطه جدا يتدلى من سقفها ثريه..إضائتها صفراء خافته..تحت الضوء مباشرة مساحه دائريه فارغه و يحيط بهذه الدائره ثلاث حلقات ..الحلقه الأولى مخدات و الثانيه بنابر(و هى –لمن يجهلها - كراسى قصيره مصنعه يدوياً من الخشب و الحبال و للرفاهيه يوضع عليها مخده رقيقه) أما الثالثه من الكراسى..
و لأننى من محبين الجلوس على الارض فمكانى الطبيعى عند الجلوس هو المخدات..أما هو فجلس على البنبر الخلفى مباشرةً..يتأمل البشر الحوله و يسأل نفسه المكان دا عباره عن شنو.. شاف ناس منكشه شعورهم و ناس زى مابنقول ملتزمين..شاف ناس مثقفه و ناس ما بتعرف حتى تكتب إسمها..صاحب المرسيدس كتفه ملاصق كتف البيرجع بيته متعلق فى باب الأتوبيس..
بدأ يسألنى " الناس ديل منو و الحيحصل شنو بعد دقائق؟" ..قلت ليه "أصبر دقايق..." و برضو إبتسمت دون ما أنظر إليه..
دخل شابان كل واحد يمسك عود-أله العود الموسيقيه- و جلسا فى منتصف المساحه الدائريه الفارغه و إحتضن كل عازف عوده إلى صدره و بدأ العزف..
هى مجموعة محبين العود ..يجتمعون كل يوم سبت بالمساء يعزفون و يغنون..
ناس مختلفه خلفياتهم الثقافيه إجتمعوا على حب و عشق ألحان العود فى كل سلالمه الموسيقيه..و من قبلها حب و عشق للحياة ..ففى هذه القاعه تتلخص الحياة و تصبح القاعه بكل ما و من فيها كنموذج نموذجى و مثالى للحياة..رغم إجتماع هذه التناقضات من فقر وغنى و من غباء و ذكاء و من ثقافه و سطحيه و من كل تناقضات الحياه فى هذه القاعه المتواضعه..فهناك شئ قد يجمع هذه التناقضات.. قد يكون تافهاً و لكن بدون قصد إستطاع جمعها..
هناك الكثير من الأماكن التى تهتم لهذا الجانب المعنوى و الروحى مثل مكان يسمى (مكان)و هو ايضا صاله متواضعه جدا فيها ناس غالبا ما يكونوا مرهقين نفسيأ-و ما أكثرهم-يستخدمون الطبول و الطارات(مثل الزار عندنا فى السودان)للتفريغ عن نفوسهم بالقفز و الحركات العشوائيه مع ايقاعات الطبول..و الفرق هنا أن المشرفين على الصاله أطباء نفسيين..
تقريبا بعد لحنين يصل المستمعين و العازفين لحاله النشوه و تبدأ الأجساد فى التمايل و الأصوات فى الصياح تعبيرا مختصرا عن وصول النشوه قمتها..فلم يكن هناك مؤدى واحداً للأغنيه..كل الحضور مشاركين من أماكنهم..المجموعه كلها فرقه واحده ..عازفين و حضور..
فى هذه اللحظه النفسيه و المعنويه المتجليه تختفى الفوارق الماديه تماماً.. و يصبح حال مرتدى فانيله الكوره هو حال مرتدى البليزر الجلد الفاخر..فاللذه عرفت طريقها إلى صدورهم..رغم ما يملكون أو ما لا يملكون..